غزوة الخندق
رغم انتصار قريش يوم أحد فإنها لم تستطع حماية تجارتها الخارجية ، فقد واصل المسلمون غاراتهم على قوافلها وهددوا الطرق من جميع الاتجاهات لذا قرر زعماء قريش القضاء على المسلمين نهائياً وشجعهم على ذلك نفر من بنى النضير الذين أجلاهم المسلمون عن المدينة منهم ( سلام بن مشكم وحيي بن أخطب ) واستنهضوا القبائل الحليفة وحثوهم على المشاركة فى الهجوم وتعهدوا بدفع نصف ثمر خيبر لقبيلة غطفان مقابل مشاركتها مع قريش فى القتال ووعدوهم بتأليب بنى قريظة على المسلمين وتجمعت حشودهم التى بلغت عشرة آلاف مقاتل ثم تحركت إلى المدينة فى شعبان سنة خمس للهجرة / شباط (فبراير) سنة 627 للميلاد . فبلغ الخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستشار أصحابه واجتمع الرأي على التحصن بالمدينة وأشار سلمان الفارسي رضي الله عنه بحفر الخندق فى المنطقة التى يمكن أن يدخل الجيش منها إلى المدينة وتجمع المسلمون وكان عددهم ثلاثة آلاف مقاتل . وشرعوا يحفرون الخندق وبلغ طوله خمسة آلاف ذراع وعرضه تسعة أذرع وعمقه ما بين سبعة الى عشرة أذرع . ووزع رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين على منطقة الحفر فكلف كل عشرة من المسلمين بحفر أربعين ذراعاً طولياً . وعمل معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه وكان البرد شديداً والطعام قليلاً ولكن قوة الإيمان غلبت الجوع والبرد وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشد على بطنه حجراً من شدة الجوع ويردد مع صحابته الأهازيج وأثناء ذلك حدثت عدة معجزات منها معجزة تكثير الطعام والتبشير بفتح الشام والعراق واليمن وإخباره باستشهاد عمار بن ياسر على يد الفئة الباغية . وتم حفر الخندق فى ستة أيام ، وتوزع الصحابة على امتداده ، ونظمت دوريات الحراسة ووصلت جموع الأحزاب ففوجئوا بالخندق وعسكروا خلفه وحاول بعض فرسان المشركين اقتحام الخندق وكان المسلمون لهم بالمرصاد . وكرروا المحاولة فى جمع كبير فدار قتال طويل شغل المسلمين عن أداء صلاة العصر فى وقتها . وبعد أيام من بدء الحصار نقض يهود بنى قريظة العهد فسيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدوريات لإشعارهم بوجود جيش المسلمين وليمنعهم من الاعتداء على النساء والأطفال . واشتد الحصار ولم يكن هناك سوى التراشق بالنبال ومحاولات فاشلة لاقتحام الخندق وأثناء ذلك أسلم نعيم بن مسعود الغطفانى وأخفى إسلامه واستطاع أن يوقع بين الأحزاب واليهود ولذلك لم تخرج قريظة لقتال المسلمين واستمر الحصار أربعة وعشرين يوماً وشعر الأحزاب أنهم لن يحققوا شيئاً . وأخيراً هبت ريح شديدة باردة عصفت بخيام المشركين وأطفأت نيرانهم وكفأت قدورهم فقرروا الرحيل وانسحبوا عائدين إلى بلادهم دون أن يحققوا شيئاً . وقد نزل فى هذه الغزوة قوله تعالى ( ياأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها وكان الله بما تعملون بصيراً ) (الأحزاب أية9) وقوله عز وجل ( ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً )
(الأحزاب الأية 25)واستشهد فى هذه الغزوة ثمانية من المسلمين وقتل من المشركين أربعة . وكانت آخر مرة يهاجم فيها المشركون المدينة فقد انقلبت موازين القوى وتحقق قوله صلى الله عليه وسلم بعد انسحاب الأحزاب مباشرة ( الآن نغزوهم ولا يغزونا ) وكان من نتائج هذه الغزوة تخلص المدينة من آخر قبيلة يهودية فيها هى قبيلة بنى قريظة التى حاولت الغدر بالمسلمين وهم محاصرين ، فقد نزل الوحى يأمر بالتوجه إليهم وقتالهم فانتدب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين لذلك وحاصروهم حصاراً شديداً فطلبوا أن يحكم فيهم سعد بن معاذ فحكم بقتل المقاتلين وسبى النساء والذرارى ، ونفذ الحكم .
أصبحت المدينة بعدها مركز قوة متنامية للإسلام ، فآمن معظم أهلها ، ومن لم يؤمن أظهر الإيمان نفاقاً وخوفاً