لأوس والخزرج
يتفق المؤرخون على أن الأوس والخزرج قبيلتان قحطانيتان ، جاءتا من مملكة سبأ فى اليمن على إثر خراب سد مأرب ، وعندما وصلتا إلى يثرب أعجبوا بما فيها من أرض خصبة وينابيع ثرة ، وقد كان سكانها ـ وخاصة اليهود ـ فى حاجة إلى الأيدى العاملة لاستثمار الأراضى ، فسمحوا لهم بالنزول قريباً منهم بين الحرة الشرقية وقباء ، وكانت ظروف عملهم أول الأمر قاسية وبمرور الزمن تحسنت أحوالهم ، فبدأ اليهود يخافون من منافستهم ، فتداعى عقلاء الطرفين إلى عقد حلف ومعاهدة يلتزمان فيها بالسلام والتعايش والدفاع عن يثرب إزاء الغزاة ، فتحالفوا على ذلك والتزموا به مدة من الزمن ، ازداد خلالها عدد الأوس والخزرج ونمت ثرواتهم ، ففسخ اليهود الحلف وقتلوا عدداً منهم وعملوا على إذلالهم ، وبقى الأوس والخزرج على تلك الحال إلى أن ظهر فيهم مالك بن العجلان الذى استنجد بأبناء عمومته الغساسنة فى الشام فاستجابوا له وأرسلوا جيشاً كسر شوكة اليهود فعادوا إلى الوفاق وعاشوا فترة أخرى حياة متوازنة ، فعندما هاجم تبع بن حسان ( يثرب ) وأراد تخريبها وقف الجميع فى وجهه حتى رجع عن قصده وصالحهم وفى هذه المرحلة من الوفاق تحرك أبناء الأوس والخزرج خارج الحزام الذى كانوا محتبسين فيه وبنوا المنازل والآطام فى سائر أنحاء ( يثرب ) وتوسعوا فى المزارع وصار لكل بطن من بطونهم مواقع كثيرة ، حينئذ خطط اليهود لإستعادة سلطتهم عليهم بطريقة جديدة ترتكز على التفريق بينهم وضربهم بعضهم ببعض فأعادوا التحالف معهم وجعلوا كل قبيلة منهم تحالف واحدة من القبيلتين الأوس والخزرج تمهيداً لإيقاع الفتنة بينهم ، فتحالف بنو النضير وبنو قريظة مع الأوسيين ، وتحالف بنو قينقاع مع الخزرجيين ، وبدأت كل فئة يهودية تسعر النار فى حليفتها على الطرف الآخر وتذكي العداوة والشقاق بينهما ، ونجحت الخطة الماكرة واشتعلت الحروب الطاحنة واستمرت قرابة مئة وعشرين عاماً ولم تنته حتى جاء الإسلام فأطفأها .
المعارك بين الأوس والخزرج :
بدأت المعارك بين الأوس والخزرج بحرب سمير وانتهت بحرب بعاث قبل الهجرة بخمس سنوات وما بين هاتين الحربين نشبت أكثر من عشرة حروب ، وكان لليهود دور فى إثارتها وإذكائها وأهم تلك الحروب والوقائع مايلى : حرب سمير ، وحرب حاطب ، ووقعة جحجبا وموقعة السرارة وموقعة الحصين بن الأسلت وموقعة فارع ويوم الربيع وموقعة الفجار الأولى والثانية وموقعة معبس ومضرس . وكان آخرها وأشدها حرب بعاث وكان لليهود دور كبير فى إشعالها ، وقد استعد لها كل من الأوس والخزرج أكثر من شهرين بسبب الأحقاد المتراكمة وتحالف الأوس مع بنى قريظة وبنى النضير بينما تحالف الخزرجيون مع مزينة وأشجع وخالفهم عبد الله بن أبى بن سلول ، والتقى الطرفان فى منطقة تسمى بعاث ، واقتتلوا قتالاً شديداً ، وتضعضع الأوسيون وحلفاؤهم وقتل عدد كبير منهم وبدأوا بالفرار ولكن قائدهم حضير الكتائب ثبتهم ، فقاتلوا بشجاعة وهزموا الخزرجيين وحلفاءهم ، وهموا أن يقضوا عليهم نهائياً حتى صرخ رجل من الأوس
( يامعشر الأوس انسحبوا ولا تهلكوا إخوانكم ، فجوارهم خير من جوار الثعالب ) ويقصد اليهود الماكرين . وبعد تلك الواقعة سئموا الحرب وكرهوا الفتنة وأجمعوا أن يتوجوا عبد الله بن أبى بن سلول ملكاً عليهم ليستتب الأمن وتنتهى الفتن . وشاء الله أن تحدث بيعة العقبة الأولى ثم تليها العقبة الثانية فى مكة وشارك فيها أفراد من القبيلتين المتصارعتين ، فكانت بداية لتأليف القلوب وجمعها على الدين الحنيف . وعندما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة أطفأ العداوة بين القبيلتين نهائياً وصاروا بفضل الله إخواناً وبدأت صفحة جديدة من تاريخ المدينة المنور
الصفحة الرئيسية